ابن ميثم البحراني
86
شرح نهج البلاغة
لتشبيع القوى البدنيّة لها ، وذلك أنّ النفس المطمئنّة إذا راضت القوى البدنيّة انجذبت القوى خلفها في مهمّاتها الَّتي تنزعج إليها واشتداد ذلك الانجذاب بشدّة الجذب فإذا اشتد الاشتغال عن الجهة المولَّى عنها وقفت الأفعال الطبيعيّة المتعلَّقة بالقوّة النباتيّة فلم يكن من التحليل إلَّا دون ما يكون في حال المرض لاختصاص المرض في بعض بما يقتضي الاحتياج إلى الغذاء كتحلَّل رطوبات البدن بسبب عروض الحرارة الغريبة المسمّاة بسوء المزاج الحارّ لأنّ الغذاء إنّما يكون لسدّ بدل ما يتحلَّل من تلك الرطوبات ، وشدّة الحاجة إلى الغذاء إنّما بحسب كثرة التحليل وكقصور القوى البدنيّة بسبب المرض المضادّ له وإنّما الحاجة إلى حفظ تلك لرطوبات لحفظ تلك القوى إذا كانت مادّة الحرارة الغريزيّة المقتضيّة لتعادل الأركان الَّذي لا تقوم تلك القوى إلَّا معه وشدّة الحاجة إلى ما يحفظ تلك القوى إنّما هي بحسب شدّة فتورها . وأمّا العرفان فإنّه مختصّ بأمر يوجب الاستغناء عن الغذاء وهو سكون البدن عند إعراض القوى البدنيّة عن أفعالها حال متابعتها للنفس وانجذابها خلفها حال توجيهها إلى الجناب المقدّس وتطعمها بلذّة معارفة الحقّ وإليه الإشارة بقوله : لست كأحدكم أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني ، وإذا عرفت ذلك ظهر أنّ المرض وإن اقتضى الإمساك الخارق للعادة إلَّا أنّ العرفان بذلك الاقتضاء أولى . وأمّا القدرة على الحركة الَّتي تخرج عن وسع مثله فهي أيضا ممكنة ، وبيانها أنّك علمت أنّ مبدء القوى البدنيّة هو الروح الحيواني فالعوارض الغريبة الَّتي تعرض للإنسان تارة يقتضي انقباض الروح بحركة إلى داخل كالخوف والحزن وذلك يقتضي انحطاط القوّة وسقوطها ، وتارة يقتضي حركة إلى خارج كالغضب وانبساطا معتدلا كالفرح المطرب والانتشار المعتدل وذلك يقتضي ازدياد القوّة ونشاطها ، وإذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لمّا كان فرح العارف ببهجة الحقّ وأعظم من فرح من عداه بما عداه وكانت الغواش الَّتي تغشاه وتحرّكه اعتزازا بالحقّ ربانيّة أعظم ممّا يعرض لغيره لا جرم كان اقتداره على حركة غير مقدورة لغيره أمكن . وأمّا السبب في الأمور الباقيّة فهو أنّه قد ثبت في غير هذا الموضع أنّ تعلق النفس